محمد بن وليد الطرطوشي

475

سراج الملوك

وفسر النبي صلى اللّه عليه وسلم القوة ، فمرّ على أناس يرمون ، فقال : « ألا إنّ القوة الرمي إلا إنّ القوة الرمي ، ألا إنّ القوة الرمي » « 1 » وكان بعض أصحابه إذا أراد الغزو ، لا يقص أظفاره ، ويتركها عدة ، ويراها قوة . فأوّل ذلك : أن يقدّم بين يدي اللقاء ، عملا صالحا من صدقة وصيام ، وردّ مظلمة ، وصلة رحم ، ودعاء مخلص ، وأمر بمعروف ، وتغيير منكر ، وأمثال ذلك ، فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، يأمر بذلك ، ويقول : إنما تقاتلون بأعمالكم . وروى أن بريدا ورد عليه بفتح للمسلمين ، فقال له عمر : أيّ وقت لقيتم العدو ؟ قال : غدوة . قال : ومتى انهزم ؟ قال : عند الزوال . فقال : عمر : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وقام الشرك للإيمان من غدوة إلى الزوال ؟ ! لقد أحدثتم بعدى حدثا ، أو أحدثت بعدكم حدثا . والشأن كلّ الشأن : في استجادة القوّاد ، وانتخاب الأمراء وأصحاب الولاية ، فقد قالت حكماء العجم : ( أسد يقود ألف ثعلب خير من ثعلب يقود ألف أسد ) فلا ينبغي أن يقدّم على الجيش ، إلا الرجل ذو البسالة والنجدة ، والشجاعة والجرأة ، ثبت الجنان « 2 » ، صارم القلب جريئة ، رابط الجأش ، صادق البأس ، ممّن قد توسّط الحروب ، ومارس الرجال ومارسوه ، ونازل الأقران ، وقارع الأبطال ، عارفا بمواضع الفرص ، خبيرا بمواقع القلب والميمنة والميسرة من الحروب ، وما الذي يجب شحنه بالحماة والأبطال من ذلك ، بصيرا بصنوف العدو ومواقع الغرّة منه « 3 » ، ومواقع الشدة منه ، فإنه إذا كان كذلك ، وصدر الكل عن رأيه ، كان جميعهم كأنّه مثله ، فإن رأى لقراع الكتائب « 4 » ، وجها وإلا ( ردّ الغنم للزريبة ) « 5 » . واعلم : أنّ الحرب خدعة عند جميع العقلاء ، وآخر ما يجب ركوبه قرع الكتائب ، وحمل الجيوش بعضها على بعض ، فلنبدأ بتصريف الحيلة في نيل الظّفر .

--> ( 1 ) الحديث صحيح رواه الإمام مسلم عن عقبة بن عامر في كتاب الإمارة ( باب فضل الرمي والحث عليه وذم من علمه ثم نسيه ) رقم 1917 كما رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن وهب . ( 2 ) ثبت الجنان : قوى القلب . ( 3 ) غرّة القوم : أي الأشراف من القوم وسادتهم . ( 4 ) القراع : أي القتال والنزال . ( 5 ) رد الغنم للزريبة : كناية عن وقف القتال .